عبد الملك الجويني

27

الشامل في أصول الدين

ومما نستدل به عليهم أن نقول : قد أثبتم الأعراض على خصائص أوصافها قائمة بأنفسها في العدم . ثم زعمتم أنها تفتقر في الحدوث إلى المحال ، وهذا نقض منكم لأحكام الصفات ، فإن ما قام بنفسه في العدم ، لزم ذلك فيه في الحدوث كالجواهر . ولو جاز أن يفتقر إلى محل في الحدوث ، ولم يكن كذلك في العدم ، لجاز مثل ذلك في الجوهر . ومما نستدل به [ أيضا ] أن نقول : مهما نفينا كون الوجود حالا ، إما لمصيرنا إلى نفي الأحوال ، وإما بأن نوضح أن الوجود ليس بحال مع تقدير إثبات الأحوال ، فيتهافت على ذلك قول الخصم . فإنهم يقولون : كان الحادث نفسا قبل حدوثه ، وهذا في التحقيق يرجع إلى قول القائل : كان الشيء قبل نفسه وهذه جهالة يأباها كل محصل . فإن قيل : لم أنكرتم كون الوجود حالا على قولكم بإثبات الأحوال ؟ قلنا : إثباته حالا يبطل على المذهبين . أما بطلانه على مذهبنا ، فلأن حقيقة الذات الوجود ، وليس الوجود معنى زائدا على الذات . وأما وجه بطلانه على أصلكم ؛ فلأن الحال ينقسم عندكم : فمن الأحوال ما هو صفات النفس وليس الوجود منها ، ومن الأحوال ما هو يعلل بالعلة ، وليس الوجود منها أيضا ، ولا يتصور عند أبي هاشم حال خارج عن هذين القبيلين ، وهذا يستقصي في أحكام الأحوال إن شاء اللّه . ومما يهد أركانهم أن نقول : من أصلكم أن العرض لا يقوم بالجوهر في العدم ؛ ويقوم به في الحدوث ، فإذا أحدث اللّه جوهرا ، وأحدث سوادا قائما به ، فمن أصولهم بقاء السواد ما لم يطرأ عليه ضد ينفيه . فإذا قدرنا طروء بياض حادث على المحل ، فلا يخلو إما أن يؤثر في نفي وجود السواد السابق ، أو يؤثر في نفي ذاته . فإن زعموا أنه يؤثر في نفي وجود ، ولا تضاد بينهما إلا في وصف الوجود فطرد ذلك يلزمهم أن يقولوا : ينتفي وجود السواد ، وتبقى ذاته على صفة القيام بالجوهر . وإن هم قالوا : إذا وجد الضد ، نفى ذات السواد الأول ، فينبغي أن يخرج عن كونه ذاتا ، فيلزم منه إثبات معدوم ليس بذات . وإن زعموا أن الذات لا تنتفي في نفسه ، ولكنه يزايل محله ، فهذه هفوة ظاهرة . فإن الذات الثابتة إذا زايلت محلها وبقيت ذاتا ، كان ذلك في حكم التحول ، ولا يجوز تقدير التحول على الأعراض ، ولا مخلص لهم من ذلك . ومما نستدل به أن نقول : إذا زعمتم أن العرض يفتقر في الحدوث إلى محل يحله ، فلا تخلون إما أن تقولوا : إنه يفتقر إلى المحل لنفسه ، وإما أن تقولوا : يفتقر إلى المحل لحدوثه . فإن زعمتم أنه يفتقر إلى المحل لنفسه ؛ فيلزمكم أن يفتقر إلى المحل في عدمه ،